أحمد زكي صفوت
511
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
« أما بعد : فإنه غرّتك قلاع تأوى إليها ليلا ، كما تأوى الطير إلى وكرها ، وأيم اللّه لولا انتظارى بك ما اللّه أعلم به ، لكان لك منى ما قاله العبد الصالح « 1 » : « فلنأتينّهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنّهم منها أذلّة وهم صاغرون » وكتب في أسفل الكتاب شعرا من جملته : تنسى أباك وقد شالت نعامته * إذ تخطب الناس والوالي لهم عمر « 2 » ( شرح ابن أبي الحديد م : 4 ص 67 )
--> - في كسر الخراج ، فغلب أهل كل ناحية على ما يليهم وأخرجوا عمالهم ، فاستشار على الناس في رجل يوليه فارس ، فقال له جارية بن قدامة : ألا أدلك يا أمير المؤمنين على رجل صليب الرأي عالم بالسياسة كاف لما ولى ؟ قال : من هو ؟ قال : زياد ، قال : هو لها ، فولاه فارس وكرمان ، ووجهه في أربعة آلاف ، فدوخ تلك البلاد حتى استقاموا . وذكروا أنه لما قدم فارس بعث إلى رؤسائها ، فوعد من نصره ومناه ، وخوف قوما وتوعدهم ، وضرب بعضهم ببعض ، ودل بعضهم على عورة بعض ، وهربت طائفة ، وأقامت طائفة ، فقتل بعضهم بعضا . وصفت له فارس ، فلم يلق فيها جمعا ولا حربا ، وفعل مثل ذلك بكرمان ، ثم رجع إلى فارس فسار في كورها ومناهم ، فسكن الناس إلى ذلك فاستقامت له البلاد ، وأنى إصطخر فنزلها وحصن قلعة بها ما بين بيضاء وإضطخر فكانت تسمى قلعة زياد وحدث رجل من أهل إصطخر قال : أدركت زيادا وهو أمير على فارس وهي تضرم نارا ، فلم يزل بالمداراة حتى عادوا إلى ما كانوا عليه من الطاعة والاستقامة ، لم يقف موقفا للحرب ، وكان أهل فارس يقولون : ما رأينا سيرة أشبه بسيرة كسرى أنوشروان من سيرة هذا العربي في اللين والمداراة والعلم بما يأتي - انظر تاريخ الطبري 6 : 79 - . ( 1 ) يعنى سليمان عليه السلام ، قال ذلك لرسول بلقيس ملكة سبأ باليمن وقد بعثت إليه بهدية . ( 2 ) روى الطبري أنه لما فتحت جلولاء - من بلاد الفرس سنة 16 ه - بعث سعد بن أبي وقاص بأخماس الغنائم مع قضاعى بن عمرو الدؤلي ، وبعث بالسبى مع أبي مفرز الأسود ، وبعث الحساب مع زياد - وكان زياد الذي يكتب للناس ويدونهم - فلما قدموا على عمر كلم زياد عمر فيما جاء له ووصف له ، فقال عمر : هل تستطيع أن تقوم في الناس بمثل الذي كلمتني به ؟ فقال : واللّه ما على الأرض شخص أهيب في صدري منك ، فكيف لا أقوى على هذا من غيرك ؟ فقام في الناس بما أصابوا وبما صنعوا وبما يستأذنون فيه من الانسياح في البلاد ، فقال عمر : هذا الخطيب المصقع ! فقال : إن جندنا أطلقوا بالفعال لساننا - انظر تاريخ الطبري 4 : 182 . وفي رواية ابن أبي الحديد أن عمر بعث زيادا في إصلاح فساد واقع باليمن ، فلما رجع من وجهه خطب - وهو حدث - عند عمر خطبة لم يسمع مثلها ، وأبو سفيان حاضر وعلي عليه السلام وعمرو بن العاص ، فقال عمرو : للّه أبو هذا الغلام ، لو كان قرشيا لساق العرب بعصاه ، فقال أبو سفيان : أما واللّه إنه لقرشي ، ولو عرفت أباه لعرفت أنه من خير أهلك ، فقال : ومن أبوه ؟ قال : أنا واللّه وضعته في رحم أمه ، فقال على : فما يمنعك من استلحاقه ؟ قال أخاف هذا العير الحالس أن يخرق على إهابى - انظر شرح ابن أبي الحديد م 4 : ص 67 وم 1 : ص 58 ، والعقد الفريد 3 : 3 - وشالت نعامتهم : إذا ماتوا وتفرقوا .